#تقرير_خاص: توازنات السياسة: السعودية بين الضغوط الأميركية والطموحات الإقليمية
علي الزنادي
تشير التقارير الإعلامية إلى أن اللقاء الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان مليئًا بالتوتر، وهو أمر يعكس عمق الاختلافات والتحديات التي يعيشها المشهد السياسي الإقليمي والدولي. فبينما كانت الإدارة الأميركية تسعى لدفع الرياض نحو تطبيع علني مع الكيان الإسرائيلي، كان ابن سلمان يتمسك بموقفه، محتفظًا بمسافة تفاوضية تظهر رغبة في الحفاظ على مصالح المملكة ووزنها الإقليمي، خاصة بعد التطورات الميدانية في غزة.
الضغط الأميركي على ولي العهد من أجل الانضمام إلى اتفاقيات "إبراهام" يعكس رغبة واشنطن في توسيع دائرة التطبيع العربي الإسرائيلي، لكن موقف الرياض يظهر أن استراتيجيتها لا تزال تتسم بالحذر وعدم الاستعجال. فالسعودية، التي طالما كانت رمزًا للأمة الإسلامية والعربية، تبدو اليوم مع محاولة توازن بين تعزيز علاقاتها مع القوى الغربية واحتياجاتها الإقليمية، خاصة في ظل استمرار التحديات التي تواجهها في الداخل والخارج.
موقف الأمير محمد بن سلمان من علاقة غير معلنة مع تل أبيب، والذي تَضمن رفضًا لأي تطبيع علني ما لم يتم تحقيق خارطة طريق واضحة ومتفق عليها، يعكس عمق المسؤولية الوطنية التي يراها ولي العهد حتمية في الحفاظ على مشاعر الجماهير السعودية، التي تعتبر القضية الفلسطينية من صلب قضاياها الوطنية، خاصة بعد النزاعات الأخيرة في غزة. هذا الموقف يتناقض مع بعض السياسات التي اتبعتها المملكة مؤخرًا، والتي حاولت من خلالها فتح قنوات غير معلنة مع إسرائيل، ما يعكس رغبة في الحفاظ على مصلحتها من الجانب الأمني والاقتصادي.
كما أن الشرط الذي قدمه ابن سلمان، والذي تطلب إقامة دولة فلسطينية قبل أي خطوة تطبيع علني مع إسرائيل، يُعد من أكبر العقبات أمام واشنطن وتل أبيب، إذ يعتبره الطرفان غير مقبول، الأمر الذي يعكس مدى حساسية الملف الفلسطيني وأهميته الكبرى في السياسات الإقليمية والدولية. موقف المملكة يعكس أسلوبًا يحاول من خلاله الحفاظ على توازن دقيق بين الملف الفلسطيني والعلاقات مع أميركا وإسرائيل.
تجاهل ترامب لموضوع دعوى الإرهاب المرتبطة بحادثة 11 سبتمبر، رغم إمكانية استمرار النظر فيها، يظهر أن واشنطن مستعدة لتقديم تضحيات مقابل مصالحها السياسية والأمنية مع السعودية. هذا التجاهل يشي بقصص من العلاقات المبطنة، التي تستند إلى تبادل المنافع وتسييس القضايا الكبيرة، أكثر منه احترامًا تامًا للقيم والمبادئ.
وفي سياق أعم، يظهر أن النظام السعودي يسعى إلى موازنة الضغوط الأميركية مع طموحاته الإقليمية، وهو ما يعكس سياسة مرنة تفتقر غالبًا إلى الشفافية، وتُعرف بالتذبذب بين الانفتاح المعلن والمتخفي. فإعلان التطبيع العلني قد لا يكون خيارًا سهلًا، خاصة مع بقاء الجماهير والوعي العام على أن القضية الفلسطينية وعلاقة المملكة بالمحيط الإقليمي معقدة ومتشابكة.
إن ما يحدث اليوم يكشف عن لعبة توازنات دقيقة، حيث تحاول السعودية أن تضمن مصالحها الوطنية وتؤمن مكانتها الإقليمية والدولية، فيما تتلقى ضغوطات من شركائها الخارجيين. وهو توازن تتأرجح معه السياسة السعودية بين رؤية تتسم بالشجاعة تجاه الطموحات الإقليمية، وحرص داخلي على الحفاظ على الدعم الشعبي، خاصة في ظل الانتقادات المستمرة لسياساتها التي تفتقد للشفافية.
أضيف بتاريخ :2025/11/28










