#تقرير_خاص: مخططات التغيير الجغرافية والتاريخية في القطيف: دراسة في التآمر والنوايا المبطنة
عبدالله القصاب
تشهد منطقة القطيف على مر التاريخ حراكاً حضارياً وثقافياً غنياً، يعكس عمق هويتها وترابطها مع جذورها الإنسانية والثقافية. إلا أن السياسات الأخيرة التي تنفذها السلطات السعودية تهدف بشكل واضح إلى تفكيك هذه الروابط، وسلب المنطقة من موروثها الحضاري، وإعادة تشكيلها وفق مصالح ضيقة تتنافى مع قيم التعايش والهوية.
وفي سياق هذه المخططات، أقر أمير المنطقة الشرقية، سعود بن نايف، المخطط الشامل لمحافظة البيضاء، وهو الاسم المستحدث الذي يطلق على الجزء الغربي المفصول من محافظة القطيف. هذا الإجراء يهدف إلى تقسيم المنطقة إلى محافظتين، شرقية وغربية، بهدف إضعاف ثقلها الإداري والاجتماعي، في خطوة تعكس نية واضحة لتفتيت النسيج المجتمعي وتهميش الهوية الثقافية الأصيلة.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل مارست السلطات القضم التدريجي للأراضي التاريخية، مستغلّة مشاريع استثمارية كغطاء لتغيير الحدود الجغرافية. ففي سيهات، تم ضم أجزاء واسعة من المدينة التاريخية إلى مدينة الدمام، وهو أمر يهدد حصرية الهوية التاريخية ويعيد رسم معالم المنطقة بطريقة تخدم أهداف اقصائية فجة.
وفي مرحلة أكثر تصعيداً، أعلنت السلطات عن تدشين المرحلة الأولى مما يُسمى بالمدينة العالمية، بالشراكة مع مستثمر أجنبي، ما يكشف عن سعي النظام للاستيلاء على أجزاء من ضواحي سيهات وبحيرة السيهات في حي الكوثر، بحيث أصبحت تلك المناطق تُعتبر مناطق تابعة للدمام، في مشهد يكرّس زيف الرواية الجغرافية الراسخة ويشوّه الحقيقة التاريخية.
هذه التصرفات تأتي في سياق مخاوف أبناء المنطقة، الذين أطلقوا حملة "صمود من أجل الحدود" لحماية هويتهم، إلا أنَّ النظام واجه هؤلاء الناشطين بالقمع والاعتقالات، في تحذير لهم من مقاومة مشروع التفكيك الذي يُحاك ضد المنطقة.
الادعاءات التي تتستر خلف عناوين "التطوير العمراني" ليست سوى ستار يخفي نوايا سياسية مضمرة، الهدف منها مصادرة الأراضي، وتغيير التركيبة السكانية، وتطويق الهوية الثقافية، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إخضاع المنطقة وتذويب خصوصيتها لصالح مراكز النفوذ السياسية والاقتصادية.
إن مثل هذه الإجراءات تعتبر اعتداءً صارخاً على حقوق المجتمع، وتعكس محاولة متعمدة لتغيير معالم المنطقة، واستلاب موروثها الحضاري، عبر إقصاء السكان الأصليين وتغييب دور التاريخ، في سياق أيمن لتحقيق مصالح السلطة على حساب الهوية الوطنية والثقافية.
وفي النهاية، تتطلب هذه التطورات يقظة مجتمعية ودعوة للحفاظ على التاريخ، ودعم نضالات السكان المحليين، للوقوف في وجه محاولات التغيير القسرية، ولتأكيد أن الهوية الثقافية والروابط الجغرافية حق مشروع لا ينبغي المساومة عليه، خاصة في ظل محيط إقليمي ودولي يهدد تنوع وتعددية الثقافات.
فهل نسمح بأن تُختطف هوية القطيف وتُمحى تراثها، أم سنقف صفاً واحداً لفرض احترام التاريخ والإرث الحضاري لهذا الوطن الغالي؟
أضيف بتاريخ :2026/01/03










