لسنا مركز العالم
قاسم حسين ..
هذه الحقيقة البديهية جدّاً، التي تجاوزها الغربيون منذ عصر كوبرنيكوس، أعادها إلى أذهاننا انهيار أسعار النفط في الأشهر الأخيرة.
لم نكن نملك شيئاً كثيراً، في هذه المنطقة شبه الصحراوية القاحلة من العالم. مواردنا محدودة، ومياهنا قليلة، وكنا نعتمد على مساقط المطر لنعيش ونرعى ثروتنا الحيوانية القليلة. وكان اعتمادنا في توفير لقمة العيش على الزراعة في بعض الواحات المتفرقة هنا وهناك، وعلى ما يجود به البحر من عطاء ربّك، وعلى استخراج اللؤلؤ من أعماق الخليج.
مع اكتشاف اللؤلؤ الصناعي على يد اليابانيين، سُقط في أيدينا، وبارت تجارتنا، بعد أن ضُرب مصدر الرزق شبه الوحيد الذي كنا نعتمد عليه في حياتنا. فقبل قرن، كان عشرات الآلاف من أجدادنا في البحرين والكويت وقطر والإمارات وعمان وسواحل السعودية، يمتهنون الغوص، ويخرجون إلى عرض البحر لاستخراج اللؤلؤ. وكانت آلاف السفن تخرج لأربعة أو خمسة أشهر، في موسمين كل عام، حيث يعيشون منقطعين عن العالم، من دون وسائل تواصل، محاصرين بين زرقة الماء وزرقة السماء.
كانت ظروف الغوص صعبةً، وكانوا ينزلون إلى الماء لساعاتٍ، من الصباح حتى المساء. وهو عملٌ يمكننا أن نتبيّن مقدار مشقته حين نقارنه بطبيعة أعمالنا في هذا الزمان، حيث دخلت الآلة لتسهّل علينا الكثير الكثير من الأعمال.
كان نظام التشغيل أقرب إلى السخرة، حيث تضطر الأغلبية إلى العمل على ظهر السفن، غالباً بسلفةٍ مسبقةٍ تدفع إلى العامل لتموين عائلته، وعليه أن يغطّيها بعمله للأشهر المقبلة. وكانت حصّة الأسد تذهب إلى النواخذة، التجّار الذين يموّلون سفن الغوص، فيراكمون الثروات، ويراكم الفقراء الديون.
لم يكن ماضياً جميلاً، ولا رومانسيّاً، بل كان ينضح بالمعاناة البشرية، وعذاب السخرة والفراق. وكم احتفظ الفولكلور الشعبي من أغانٍ ومواويل حزينة، كانت تعرضها تلفزيوناتنا وإذاعاتنا التي أقيمت بأموال النفط، على أنها تراث، لكنها كانت مخزن عذابات، حيث تصوّر لوعة الأزواج حين يفترقون، وتبقى الأمهات ترعى البيوت والأطفال، تطعمهم وتؤويهم وتحافظ عليهم شهوراً طويلةً، فيما يذهب الأزواج بعيداً حيث يبتلعهم البحر.
حين انهارت أسعار اللؤلؤ، جاءت معجزة الإنقاذ من السماء ولم تكن من تدبير البشر على الأرض، فتفجّرت آبار البترول الذي ظلّ مجهولاً لآلاف السنين. وكان ما يفيض منه ويتدفق على سطح الأرض، أو ينزل من الجبال، يستخدم الفراعنة قطارته في تحنيط الموتى، حيث كانوا يجلبونها من الصحراء الغربية على حدود ليبيا، أو من سواحل البحر الأحمر. وعلى سواحل الخليج كان البدو الرُّحل يستخدمونه لدهن خيامهم لمنع تسرّب الماء، أما في إيران والقفقاز فكانوا يستخدمونه في إضاءة شعل النار في المعابد قبل الإسلام.
هذه الثروة ظلت مدفونةً تحت أقدام شعوب المنطقة، ومغمورةً تحت مياهها، حتى جاء الغربيون ليستخرجوها، وقوداً للقطارات والسفن لتخلف عصر الفحم. ثروة حلّت مكان ثروة، ومادةٌ استبدلت مادةً، في سياق التطور العلمي الذي يقوده الغرب الصناعي، بينما بقينا نبيعه لقاء ثمن بخس، طوال سبعين عاماً. لم نفكّر في يوم نضوبه، ولم نحسب للحظةٍ بأن العالم قد يستغني عنه يوماً كما استغنى به عن الفحم. كنا نفكّر لنعيش يومنا فقط، ونترك الباقي على الصدف وانتظار البركات.
اليوم، تنهار أسعار النفط فتنهار كل أحلام شعوبنا، وتهتز كل مشاريع التنمية الورقية التي أقمناها خلال ثلاثين عاماً، والقائمة على المضاربات والعقارات. عمارات وناطحات سحاب ومنشآت سياحية، نتفاخر بها كما كانت الأقوام البائدة تتفاخر فيما يقصّه الذكر الحكيم: «أتبنون بكلِ ريعٍ آيةً تعبثون. وتتخذون مصانعَ لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين» (128 ـ 130: الشعراء). وكأن الدنيا خُلقت للتسلية والفرفشة والمباهاة، دون أن ننتبه لتحذيرات الخبراء الناصحين، باحتمال غرق جزء كبير من سواحلنا لمجرد ارتفاع منسوب البحر عدة بوصات، وليس بسبب كوارث طبيعية أو فيضانات لا سمح الله.
اليوم نكتشف فجأةً أننا أضعنا فرصة تاريخية لا تعوض. كان المال الوفير بأيدينا، وكانت الظروف تسمح لنا بتعليم شبابنا، تعليماً حقيقيّاً، يقوم على البحث والجهد وحل المشكلات، لا على امتلاك الشهادات والتباهي بها في حفلات التكريم السنوية في الفنادق الكبرى.
نعود شعوباً مئةَ عامٍ بعد النفط... حيارى إلى نقطة الصفر.
صحيفة الوسط البحرينية
أضيف بتاريخ :2016/04/04