آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

أربعة تفجيرات تهز السعودية في يوم واحد وأخطرها في الحرم النبوي الشريف

 

عبد الباري عطوان ..

هزت أربعة تفجيرات انتحارية المملكة العربية السعودية اليوم الاثنين، اثنان منها في مدينة القطيف ذات الأغلبية الشيعية، وثالث أمام القنصلية الأمريكية في مدينة جدة أثناء احتفالها بذكرى يوم الاستقلال بينما كان الرابع، وهو الأخطر في اعتقادنا أمام حاجز أمني قرب الحرم النبوي الشريف ساعة الإفطار في المدينة المنورة.

 

هذه التفجيرات جاءت بعد أخرى مماثلة في حي الكرادة في مدينة بغداد، أدت إلى مقتل أكثر من 210 أشخاص، وإصابة المئات، وبعد أربعة أيام من اقتحام ثلاثة انتحاريين من منطقة القوقاز مطار أتاتورك في أسطنبول، أطلقوا النار على المسافرين والمستقبلين قبل تفجير أحزمتهم الناسفة، وجاءت النتيجة مقتل 43 شخصا.

 

أصابع الاتهام تشير إلى “الدولة الإسلامية” وخلاياها الانتحارية بالوقوف خلف جميع هذه التفجيرات التي أرادت “الدولة” من خلالها توجيه “رسالة دموية” واضحة إلى التحالف الدولي الذي يشن حربا شرسة للقضاء عليها واستئصالها، في العراق وسورية، بأنها ما زالت قوية، وقادرة على الرد بنقل الحرب إلى قلب الدول التي تحاربها، والمسلمة منها على وجه الخصوص، مهما بلغ عددها ومهما بلغت قوتها.

 

وعندما وصفنا التفجير الإرهابي الذي وقع لحظة الإفطار، واستهدف مقرا لقوات الأمن السعودية في الحرم النبوي الشريف في المدينة المنورة، بأنه الأخطر، فإننا تقصدنا ذلك، انطلاقا من الأهمية الدينية والقدسية الخاصة لهذا المكان بالنسبة لمليار ونصف المليار مسلم في القارات الخمس، وفي مثل هذا الشهر الفضيل، وقبل عبد الفطر المبارك.

***

استهداف المملكة العربية السعودية بأربعة انفجارات في يوم واحد، وفي أماكن مختلفة في شرقها وغربها، جرى اختيارها بعناية فائقة، وتتدرج من مساجد شيعية، إلى قنصلية أمريكية، وصولا إلى الحرم النبوي الشريف، الهدف منه زعزعة استقرار هذا البلد وأمنه قبل أسابيع معدودة من موسم الحج، حيث يتدفق أكثر من مليوني حاج من مختلف أنحاء العالم لأداء هذه الفريضة، وتوجيه إنذار أو تهديد واضح بأن هذا الموسم قد يكون الهدف المقبل.

 

ندرك جيدا أن قوات الأمن السعودية، أو غيرها لا تستطيع، مهما اؤتيت من قوة وكفاءة، وتسلحت بأحدث الأجهزة والأسلحة، لن تستطيع منع هذه التفجيرات، فمن يلفون وسطهم بالأحزمة الناسفة، ويريدون “الشهادة”، ويؤمنون في أعماق وجدانهم أن هذه التفجيرات هي أقصر الطرق للوصول إلى الجنة، لا يمكن منعهم، أو السيطرة عليهم، وإجهاض أفعالهم الإرهابية الدموية هذه، ولكن هناك استراتيجيات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، يمكن تطبيقها وإتباعها لتقليص هذه الأخطار تميهدا لمنعها.

 

هناك عدة قراءات ممكن الوصول إليها واستخلاص عبرها من هذه التفجيرات الإرهابية المدانة وركامها، ونحن نتحدث عن تلك التي وقعت في القطيف وجدة والمدينة المنورة تحديدا:

 

أولا: أن قوات الأمن السعودية وما تملكه من ميزانيات وأجهزة أمنية إستخبارية فشلت في رصد هذه الخلايا التابعة لـ”الدولة الإسلامية” والقضاء عليها بالتالي، لكنها اعتمدت الحلول الأمنية بمعزل عن الحلول الفكرية والإيديولوجية والسياسية والاجتماعية.

 

ثانيا: إن “الدولة الإسلامية” ما زالت تملك خلايا نشطة في الداخل السعودي، وفي أوساط الشباب خاصة، وبأعداد كبيرة يصعب حصرها، قادرة على التحرك عندما تأتيها التعليمات، بذلك وفي الوقت المحدد.

 

ثالثا: إن الخطر على أمن المملكة واستقرارها لا يكمن بالدرجة الأولى في الحوثيين في اليمن، ولا الجار الإيراني الشيعي، أو النظام السوري، وإنما في الداخل السعودي، وإن الحرب الحقيقية التي يجب أن تخوضها ليست في اليمن، ولا في سورية، ولا في العراق، ولا في ليبيا، وإنما داخل حدودها، حرب لا يمكن خوضها بطائرات “عاصفة الحزم”، ولا بالدبابات الحديثة الأمريكية الصنع، وإنما حرب فكرية، حرب للقضاء على الفساد، والإصلاحات السياسية والاجتماعية، وتوفير فرص العمل للشباب، واستيعابهم في مشاريع منتجة.

 

رابعا: تغيير كل السياسات التي تتبعها المملكة حاليا، وتتمثل في محاولة إصلاح وترتيب بيوت الآخرين، والتدخل في شؤونهم الداخلية عسكريا، وتغيير أنظمتهم، بينما البيت السعودي هو الذي يحتاج إلى ترتيب وإصلاحات جذرية، والأولى بالعناية والاهتمام.

 

خامسا: الالتفاف إلى قضايا الأمة المركزية والبعد عن الشبهات، وأبرزها التواصل سرا أو علنا مع أعدائها، وإسرائيل على رأسها، وعدم ترك هذه القضايا للآخرين، مثل إيران وحلفائها وميليشياتها، وكسب الأصدقاء وتقليص الأعداء في الداخل والخارج.

 

اللواء إبراهيم التركي، المتحدث باسم وزارة الداخلية السعودية كشف عن جهل حقيقي بالخطر الذي يستهدف بلاده عندما تسرع محاولا تبرئة المواطنين السعوديين من الوقوف خلف هذه التفجيرات، والتأكيد على أن من نفذ الهجوم الانتحاري الأول على القنصلية الأمريكية في مدينة جدة كان من المقيمين، أي ليس سعوديا، وينسى أن الإرهاب الذي يضرب المملكة، وأماكن أخرى في العالم، إرهاب عابر للقارات والجنسيات، ومن هو إرهابي مواطن في السعودية مقيم في سورية أو العراق أو اليمن، والعكس صحيح.

 

“الدولة الإسلامية” ربما تتراجع جغرافيا، وتخسر بعض المدن في حرب يخوضها ضدها تحالف من مئة دولة، بينها دولتان عظميان، برا وجوا، ولكنها ما زالت قادرة على التمدد عنفا وإرهابا، وتضرب في عمق دول خصمها، والسعودية من بينهم، ومن اغرق في التفاؤل واحتفل مبكرا بهزيمتها، ربما يكون تسرع، فالحرب ضدها ما زالت طويلة، وهي حرب عقول وإيديولوجيات، قبل أن تكون جرب أمنية وعسكري.

***

السياسات السعودية التي تتبنى مبدأ التدخل عسكريا وسياسيا في شؤون الآخرين، وتغيير أنظمة، وزعزعة استقرار دول وتفتيتها، وتبني الفكر الطائفي، وتصديره خارج حدودها، هذه السياسات باتت تعطي نتائج عكسية تماما، ولا بد من تغييرها بأسرع وقت ممكن ليس لأنها أثبتت فشلها، وإنما لأنها بدأت ترتد على أصحابها دمارا، في وقت نجح الآخرون في امتصاصها والتعايش معها، وتقليص أخطارها، إذا لم يتم تحييدها بالكامل، ونحن نتحدث هنا عن اليمن والعراق وسورية تحديدا.

 

حروب السعودية الخارجية فشلت كلها، وجاءت نتائجها كارثية عليها وعلى الآخرين، وحروبها الداخلية ليست أفضل حالا، وحان وقت المصارحة، والمكاشفة، والتغيير الجذري، والاستمرار في المكابرة والغرور، مثلما يحدث حاليا يصب المزيد من الزيت على نيران الفشل، ولا بد من عملية “إنقاذ” سريعة وهذه مسؤولية العقلاء والحكماء الذين يجب أن يتصدورا الصفوف ويصححوا.

 

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/07/04

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد