آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

ما صحة النظريات التآمرية حول الانقلاب العسكري في تركيا؟

 

عبد الباري عطوان ..

تصاعدت حدة الكثير من النظريات التآمرية في وسائط الإعلام التقليدية، أو غير التقليدية، أي وسائط التواصل الاجتماعي التي تشكك في مدى صدقية الانقلاب العسكري الذي حدث ليلة الجمعة السبت في تركيا في محاولة فاشلة لإسقاط نظام حزب العدالة والتنمية، بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي وصل إلى الحكم أربع مرات منذ عام 2002 في انتخابات شفافة وحرة.

 

نحن لا نستطيع أن نجزم بمدى صحة هذه النظريات، ليس لأنها جاءت في معظمها من جهات تعارض حكم الرئيس أردوغان، وإنما لأن المعلومات المتوفرة حتى الآن عن هذا الانقلاب، والذين يقفون خلفه، والظروف المحيطة به ما زالت قليلة وغير واضحة، ومتضاربة في معظم الأحيان، ومن جهة واحدة غير مستقلة، ولكن هناك بعض النقاط نجد لزاما علينا التوقف عندها ومناقشتها.

 

إطلاق توصيف “انقلاب عسكري” ينطوي على مغالطة كبيرة في رأينا، وسواء كان حقيقيا أو مشكوك فيه، مثلما قال الداعية فتح الله غولن، الخصم الرئيسي للرئيس أردوغان، والمتهم بالوقوف خلفه، فالمؤسسة العسكرية التركية لم تتورط فيه، وإنما مجموعة من الضباط لم تكن لها قيادة واضحة محددة، ولم تسيطر على وسائل الإعلام بأشكالها المتعددة، ولم تعتقل الرئيس أردوغان أو رئيس وزرائه، أو أي من الوزراء، وقادة الأمن والمخابرات، أو حاجبا في القصر الجمهوري، وتضعهم تحت الإقامة الجبرية، ناهك عن قتلهم، ولم تعطل شبكات الهواتف، ووسائط الاتصال الاجتماعي من انترنت و”تويتر” و”فيسبوك” و”سكايب” و”واتس آب”.

 

فإذا كان انقلابا فعليا، ومن غير المستبعد أن يكون كذلك، فإنه انقلاب يكشف عن غباء أصحابه، ويؤكد أنهم مجموعة من “الهواة”، ولهذا تمت السيطرة عليه وتفكيكه في ساعات معدودة، وإلقاء القبض على جميع المتورطين، أو المتعاطفين، معه داخل القوات المسلحة وخارجها.

***

الشعب التركي لعب دورا كبيرا في إفشال هذا الانقلاب لإنه لا يريد العودة إلى الوراء، وإلى إربع تجارب من حكم العسكر، ويتمسك بالدولة المدنية، والحكم الديمقراطي، الذي حقق الاستقرار والطفرة الاقتصادية، ورفع مستواه المعيشي بمقدار الضعفين، وعندما يكون خيار هذا الشعب بين الديمقراطية السيئة وحكم العسكر الديكتاتوري، فإنه يختار الأول، رغم تحفظاته العديدة، وهذا ما يفسر وقوف جميع أحزاب المعارضة التركية ضد الانقلاب، وخلف الرئيس أردوغان وحكومته، لأنه أقل شرا من العسكر بكثير.

 

نجاح “الانقلاب” كان سيؤدي إلى إلحاق كارثة على تركيا، وفوضى دموية، وقد يقود إلى نزول أنصار أردوغان من الإسلاميين المسيسين إلى الشوارع بالملايين، وتكرار المشهدين السوري والليبي، واندلاع حرب أهلية قد تستمر لسنوات، وربما لعقود، تنتهي بانهيار تركيا وتقسيمها، ولكن هذا لا يعني القبول دون شروط بديكتاتورية الرئيس أردوغان المتزايدة، وإعطائه تفويضا للمضي قدما في توسيع صلاحياته الدستورية، وتغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، وتكريس كل القوى بيده، والمضي قدما في سياساته الحالية التي أوصلت تركيا إلى هذه المنزلقات الخطيرة، على الصعيدين الإقليمي والدولي.   

 

تركيا باتت منقسمة إلى “فسطاطين” بالنسبة إلى الرئيس أردوغان، الفسطاط الأول من الأخيار وهم مؤيدوه، والثاني من الأشرار الذين يعارضونه، أو لا يؤيدون طريقه إدارته لحكم البلاد، ومن المؤكد أن هذا الانقسام سيزداد ويتوسع في الأشهر، وربما السنوات المقبلة، بالقياس إلى ردود فعله، أي الرئيس أردوغان في اليوم التالي للانقلاب.

 

نشرح أكثر ونقول أن المؤشرات الأولى تفيد بأن الرئيس أردوغان يريد إعادة تشكيل الدولة التركية، حسب مقاساته وحزبه، فقد بدأ السيطرة على المؤسسة العسكرية باعتقال ستة آلاف جنرال وضابط وجندي، وفصل حوالي ثلاثة آلاف قاضي، بما في ذلك قضاة في المحكمة الدستورية الذين لا يجوز اعتقالهم إلا بقرار من المحكمة نفسها، حسب النص الدستوري المؤسس لها.

 

إفشال الشعب ومؤسسته العسكرية للانقلاب العسكري، ونصر على دور الأخيرة لأنه عامل مهم، يجب أن يكون فرصة ذهبية يستغلها الرئيس أردوغان لتحقيق المصالحة الوطنية، وردم هوة الانقسامات، وتعزيز الجيش التركي وتثبيت دوره كمؤسسة لتركيا وكل أبنائها، وليس للحصول على تفويض بالانتقام، ونصب المشانق، وإعادة العمل بعقوبة الإعدام الملغاة دستوريا منذ عقود.                          

 

نشعر بالخوف والقلق على تركيا من جراء ما نراه من شواهد تعكس نزعات انتقامية دموية، وهذا لا يعني مطلقا إننا ضد معاقبة كل المتورطين في الانقلاب، فهؤلاء يستحقون أقصى العقوبات، ولكن بعد محاكمات عادلة شفافة.

 

مصدر خوفنا هنا، هو التغول في الانتقام، فما ذنب هؤلاء القضاة المسرحين من وظائفهم بالآلاف، وهل حملوا السلاح، أو قادوا الطائرات الحربية، أو الدبابات أثناء حركة الانقلاب التي لم تستمر إلا لساعات، وكيف جرى التعرف عليهم وتواطئهم في أقل من نصف يوم؟ إلا توحي هذه الخطوة بأن هناك نوايا مسبقة لفصلهم، وجرى توظيف الانقلاب، والمعارضة الشعبية الواسعة له كغطاء وضوء أخضر؟

***

 

كنا وما زلنا أشد المعجبين بالتجربة الديمقراطية التركية، وتزاوجها الناجح بين الإسلام والديمقراطية، وعلى أرضية نهضة اقتصادية اعجازية، ولكن بعد إقدام الرئيس أردوغان على سياسات تتسم بالغرور والغطرسة، وسوء التقدير في قضايا عديدة، حيث فشل في إطاحة النظام السوري بعد خمس سنوات من التدخل العسكري المباشر، وغير المباشر، وما ترتب على ذلك من مآسي وسفك دماء، ثم إقدامه على التطبيع الكامل مع إسرائيل، وما ترتب عليه من تنسيق أمني وعسكري، دون رفع الحصار عن قطاع غزة، وهو تطبيع مرفوض ومدان، مهما كان الثمن المقابل، واعتذاره المهين للروس، وسياساته الداخلية الأوتوقراطية، وقمعه للصحافة والصحافيين.. نعترف بأن هذا الإعجاب تراجع كثيرا أن لم يكن قد تبخر.                                             

 

نقف في خندق مئات الآلاف من الأتراك الذين تظاهروا، ويتظاهرون، انتصارا للدولة المدنية وضد حكم العسكر، ولكننا لن نكون مطلقا مع حكم ديكتاتوري باسم الديمقراطية، ويطبع علاقاته الكاملة مع إسرائيل، مع تسليمنا المطلق بأن صندوق الاقتراع الذي أتى بحزب العدالة والتنمية، ورئيسه أردوغان إلى السلطة هو الوحيد الذي يجب أن يزيله منها.                             

 

فشل الانقلاب لن يكون نهاية المشاكل وعدم الاستقرار في تركيا، وربما بداية اكبر لها، اللهم إلا إذا تحلى الرئيس أردوغان بالحكمة وضبط النفس، وإجراء مراجعات جذرية للكثير من سياساته ومواقفه، التي وضعت تركيا على حافة الهاوية، وعدم الاستقرار، وما نراه حاليا من مؤشرات لا يوحي بذلك.

     

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/07/18

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد