آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

أردوغان عندما يتراجع اعتذارا لبوتين وتطبيعا مع نتنياهو.. فهل شد الرحال إلى دمشق هو الخطوة الثالثة؟

 

 عبد الباري عطوان ..

أخيرا قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتذارا مكتوبا لنظيره الروسي فلاديمير بوتين في رسالة خطية قدم فيها تعازيه الحارة أيضا لأسرة الطيار الروسي، وتعهد ببذل كل ما في وسعه لإعادة العلاقات الودية بين البلدين إلى صورتها الطبيعية، مثلما توصل إلى اتفاق بتطبيع كامل للعلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، دون تلبية  شرط رفع الحصار عن قطاع غزة الذي تمسك به طوال السنوات الست الماضية من عمر الأزمة.

 

هذان التنازلان يؤكدان “براغماتية” الرئيس التركي التي تحدثنا عنها في هذا المكان أكثر من مرة، والتي تعني أنه سياسي محترف لا مكان للمبادىء في قاموسه، مثلما كان يعتقد الكثير من حلفائه العرب، فالرجل يميل حيث تميل مصالحه الشخصية أولا، ومصالح بلاده تركيا ثانيا.

 

الرئيس أردوغان أراد أن يكون “سلطانا” يعيد إحياء الخلافة العثمانية عبر جسر الإسلام السياسي، وعندما فشلت جميع طموحاته هذه، لم يجد أي غضاضة في التراجع عن معظم سياساته ومواقفه في محاولة لتقليص الخسائر، وإنقاذ بلاده من انهيار جغرافي وديمغرافي حتمي، وتجنب سقوطها في مصيدة إرهاب يأكل معظم، أن لم يكن كل، انجازاتها الاقتصادية، ويعيدها إلى المربع الأول مجددا.

***

غرور الرئيس أردوغان أوقعه في سلسلة من الأخطاء والخطايا دفعه واحدة، أولها سوء تقديره لقوة الرئيس بوتين، ودهائه السياسي والإستراتيجي، وجرأته في اتخاذ قرار الحرب، وثانيها سقوطه، أو بالأحرى إسقاطه، في المصيدة السورية التي نصبتها له الحليفة الأمريكية عبر أدوات عربية، تماما مثلما أوقعوا الراحل صدام حسين في الكويت، وثالثها رهانه على “ربيع عربي” كان ممنوعا عليه أن يزهر، ناهيك أن يعطي ثماره، ورابعها تبني مشروعا طائفيا إسلاميا، وهو الذي يترأس دولة علمانية، وخامسها الاعتماد على حلف “ناتو”، طابعه عنصري، لا مكان للمسلمين أمثاله فيه.

 

براغماتية أردوغان هذه لا يمكن أن تكتمل إلا إذا اتجه شرقا، واستقل طائرته للهبوط في مطار دمشق، والصلاة في مسجد الأمويين، وهذا غير مستبعد، بل باتت هذه الخطوة وشيكة جدا، فمن يطبع علاقاته مع إسرائيل، ويعتذر خطيا للرئيس بوتين، لماذا لا يفعل الشيء نفسه مع حليفه القديم الرئيس السوري الذي استعصى على السقوط لأكثر من خمس سنوات من الحروب تنخرط فيها مئة دولة؟

 

قد يجادل البعض من حلفاء الرئيس أردوغان، العرب خاصة، بأن الرئيس الأسد يقتل شعبه السوري، ولكن الرئيس أردوغان ساهم ويساهم بقتل هذا الشعب السوري أيضا، من خلال دعمه للمعارضة السورية المسلحة، والمنظمات الإسلامية المتشددة، وهل كانت هذه المعارضة، التي سلحتها وتسلحها الولايات المتحدة ودول خليجية هنودا أو فلبينيين، أو أحباشا، طوال الأعوام الخمسة الماضية؟

 

الرئيس أردوغان كان يتهم الروس وطائراتهم بقتل الشعب السوري أيضا، وها هو يعتذر لهم ويطلب الصفح والغفران، ويطبع علاقاته مع الإسرائيليين الذين لم يكتفوا بقتل الشعب الفلسطيني واحتلال أرضه على مدى سبعين عاما، بل يقومون بتهويد مدينة القدس المحتلة، ويريدون هدم المسجد الأقصى لإقامة هيكل سليمان على أنقاضه، فلماذا يطبع الرئيس التركي مع هؤلاء، ولا يطبع مع نظيره السوري المسلم مثلا؟ ويطوي صفحة هذه الحرب الدموية ويساعد في حل سياسي ومصالحة وطنية؟

 

نعتقد أن هذه الاعتذارات وخطوات التطبيع مع كل من إسرائيل وروسيا هي مقدمة لأخرى مماثلة مع سورية وإيران وأرمينيا واليونان والاتحاد الأوروبي، وليس نحن الذين نقول هذا، وإنما أيضا السيد بن علي يلدريم رئيس وزراء تركيا الجديد، وصديق أردوغان المقرب، الذي قال إن حكومته ستتبنى سياسة تقوم على زيادة عدد الأصدقاء، وتقليص عدد الأعداء، ووصف الحرب في سورية بأنها “عبثية” يجب وقفها، فماذا يعني هذا، ومن بقي من الأعداء بعد التطبيع مع إسرائيل، والاعتذار لروسيا؟

 

الرئيس أردوغان أدرك أنه لا يستطيع خوض حربين ضد “الدولة الإسلامية”، وحزب العمال الكردستاني في الوقت نفسه، فواحدة منهما كفيلة باستنزاف تركيا بشريا واقتصاديا، مثلما أدرك أن تفتيت سورية سيكون خطوة لتفتيت تركيا نفسها، هذا في وقت ارتكب فيه أكبر خطأ في حياته السياسية عندما خسر روسيا دون أن يحافظ على حليفه الأمريكي، واستخدم معاناة اللاجئين السوريين كورقة ابتزاز ضد أوروبا للحصول على مكاسب مادية، فخسرها دون أن يحصل على أي شيء في المقابل.

 

الأنباء التي ترددت عن قيام الجزائر بوساطة سرية بين سورية وتركيا، تكتسب مصداقية أكبر الآن، بعد أن بدأت التنازلات التركية لموسكو وتل أبيب واضحة للعيان، فكل هذه التنازلات تظل محدودة القيمة والفاعلية دون الذهاب إلى المنبع الأساسي لكل مصائب تركيا الحالية، وهي الأزمة السورية، ومن يقول غير ذلك يكشف عن سذاجة في قراءة المشهد السوري، وشخصية أردوغان معا.

***

التطبيع مع إسرائيل سيعطي أردوغان بعض الغاز، وربما تحسين العلاقات مع أمريكا، ولكنه سيفقده الكثير من مصداقيته ومكانته في العالمين العربي والإسلامي، لأن واقعة دافوس ومواجهته مع شمعون بيريس كانت وراء هذه المصداقية، وارتفاع أسهم شعبيته في العالمين العربي والإسلامي.

 

صحيح أنه سيقيم مستشفى، ومحطتي كهرباء، وتحلية مياه وسيقدم عشرة آلاف طن من المساعدات الإنسانية لأبناء قطاع غزة ستمر عبر ميناء أسدود (مسقط رأس والدي وأجدادي)، ولكن أبناء القطاع كانوا يعولون عليه كثيرا لرفع دائم للحصار، ودعم المقاومة، وهذا لم يحدث، وقد لا يحدث على يديه في المستقبل القريب، وجاء اتفاق التطبيع مكشوفا دون أي غطاء شرعي إسلامي وطني.

 

هل ستؤدي تنازلات أردوغان هذه لإسرائيل وروسيا في إنقاذه، وبلاده، من أزماتها الاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية، وتحقق له ما يريد من ورائها؟

 

الإجابة صعبة للغاية، لأن الأعوام الأربعة القادمة، في رأينا، هي الأخطر على تركيا الحديثة، ومستقبلها منذ تأسيسها قبل مئة عام، ولا نعتقد أن إسرائيل ستكتفي ببيع الغاز، ولا نؤمن بأن بوتين سيكتفي بالاعتذار، وكأن شيئا لم يحدث، فالإسرائيليون ملوك “الابتزاز″، واسألوا الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن لوائح مطالبهم الطويلة جدا، أما الرئيس بوتين الذي فرض شروطه كاملة، فعينه على سورية التي خسر فيها طائرته وطيارها، وبات اللاعب الرئيسي فيها، ويتوقع من أردوغان سياسات غير سياساته الحالية فيها.

 

طريق الخلاص الجديدة بالنسبة للرئيس أردوغان فيما تبدو تبدأ من اسطنبول، وتعرج على القاهرة، وتنتهي في دمشق، فهل يفعلها الرئيس التركي؟ ولماذا لا فبعد التطبيع مع إسرائيل لا شيء مستبعد أو مستغرب أبدا.

 

في اليمن يقولون لا بد من صنعاء وأن طال السفر، ونحن نقلب الآية ونقول للرئيس أردوغان، في البدء كانت دمشق.. والأيام بيننا.

 

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/06/28

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد