آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

لماذا “تراجع″ أردوغان عن “تراجعاته” لروسيا حول مسألتي “الاعتذار” و”التعويضات”؟

 

عبد الباري عطوان ..

كان اليوم الثلاثاء هو يوم “التراجعات” عن “التراجعات” التركية التي أقدم عليها الرئيس رجب طيب أردوغان، وتمثلت في تقديمه اعتذارا خطيا لنظيره الروسي فلاديمير بوتين عن حادث إسقاط الطائرة الروسية العام الماضي قرب الحدود السورية، وتلبية الشقين الآخرين من الشروط الروسية، وهما تقديم تعويضات مالية لأسرة الطيار القتيل، والبدء في الإجراءات القانونية المتعلقة بمحاكمة الطيار الذي اسقط الطائرة.

 

الدكتور إبراهيم كالين المتحدث باسم الرئيس أردوغان نفى أن يكون “معلمه” قدم أي اعتذار لبوتين، واكتفى فقط، أي الرئيس أردوغان، بالتعبير عن حزنه العميق لذوي الطيار الروسي القتيل، وأن الخطاب كان موجها لهم وليس للرئاسة الروسية.

 

السيد بن علي يلدريم رئيس الوزراء تراجع بدوره عن تصريحات أدلى بها حول عزم بلاده تقديم تعويضات لروسيا عن إسقاط الطائرة وقتل أحد طياريها، وقال “من غير الوارد دفع تعويضات، عبرنا لهم فقط عن أسفنا”، ولعل السيد يلدريم تعرض إلى “توبيخ” من الرئاسة على تصريح موثق قال فيه يوم أمس “عرضنا فكرة أننا مستعدون لدفع تعويضات إذا لزم الأمر”.

 

ولعل النقطة التي يصعب فهمها، ناهيك عن هضمها ما قاله الدكتور كالين، المتحدث الرئاسي، بأن إعادة العلاقات مع إسرائيل وروسيا لا تعني تغييرا في السياسة التركية تجاه سورية وأوكرانيا والقرم.

 

لوغاريتمات من الصعب تفكيكها، تعكس ارتباكا و”أنا متضخمة”، وجرح غائر في كبرياء الرئاسة التركية، ربما يكون مردها جميعا أن هذه الاعتذارات “المكتوبة” لم تعط ثمارها السريعة المأمولة، خاصة من قبل الجانب الروسي الذي كان متحفظا تجاهها في ردود فعله.

***

الاعتذار ليس عيبا، وكذلك التراجع عن سياسات أثبتت فشلها، وأعطت نتائج عكسية خاصة في الملف السوري، وبدأت تنعكس تفتيتا وإرهابا وتفجيرات في العمق التركي، أدت إلى خسارة تزيد عن عشرين مليار دولار في القطاع السياحي فقط، فلماذا هذه “المكابرة”؟ ولماذا التراجع؟

 

من أبرز الشروط التي طرحتها حكومة الرئيس أردوغان لأعادة العلاقات مع إسرائيل إلى صورتها الطبيعية، الاعتذار، ودفع تعويضات لأهالي شهداء سفينة مرمرة، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وتم التجاوب مع الشرطين الأولين وإسقاط الثالث، بمعنى آخر، لماذا تتهرب هذه الحكومة من دفع تعويضات لروسيا عن إسقاط طائرتها وقتل طيارها؟

 

الشيء نفسه يقال ايضا عن “تناقض” الاقوال حول رسالة الاعتذار التي ارسلها اردوغان الى نظيره الروسي بوتين، وما ورد على لسان المتحدث باسم الرئاسة من ان الرسالة لم تتضمن اعتذارا، وإنما تعاطفا وأسفا، وأنها لم ترسل إلى الرئيس بوتين، وإنما إلى أسرة الطيار.

 

“مجنون يحكي وعاقل يسمع″، مثلما يقول المثل، فإذا كانت الرسالة أرسلت إلى أسرة الطيار القتيل فعلا، فلماذا كانت معنونة إلى رئاسة الجمهورية الروسية؟ ومتى يخاطب رئيس دولة أجنبية أسرة من عامة الشعب، ويقول لها “ارتكبنا خطأ إسقاط طائرة ابنكم ولا تؤاخذونا”؟

 

لا نريد أن نسهب طويلا في الحديث عن هذه التناقضات والارتباك الذي يقف خلفها على أعلى المستويات، لأننا نريد أن ننظر إلى ما وراء هذه الاعتذارات وانعكاساتها على المنطقة، وما يجري فيها بعد هذه الخطوة التركية المفاجئة.

 

نحن مع تقديم هذه الاعتذارات، ونعتبرها خطوة شجاعة يمكن أن تؤدي إلى إنقاذ تركيا من المخطط نفسه الذي أدى إلى تدمير العراق وسورية وليبيا، ووقف أعمال القتل والحروب “العبثية” في المنطقة والتصدي للفتنة الطائفية التي ستجهز عليها وتحولها كلها إلى دول فاشلة تسودها الحروب الأهلية، فهي تشكل صحوة يجب أن تستمر وتذهب حتى آخر الشوط، وعدم إفسادها ببعض التراجعات التي يمكن أن تفسد مفعولها، بل وتؤدي إلى نتائج عكسية انطلاقا من “كبرياء” لا مكان له في السياسية، وفي ظل علاقات دولية معقدة محكومة بقيم الحداثة، وليس قيم القبيلة والعشيرة.

 

الحكومة التركية يجب أن تقدم تعويضات مجزية لنظيرتها الروسية، وهي التي قبلت للأسف بتعويض متواضع جدا لأهالي ضحايا سفينة مرمرة لا يزيد عن 20 مليون دولار، يتم دفعها بالتقسيط المريح، لأن العوائد الاقتصادية والتجارية التي يمكن أن تترتب على المصالحة مع روسيا قد تصل إلى مئة مليار دولار سنويا على مدى السنوات الخمس القادمة، وفق نصوص اتفاقات وبروتوكولات، وقعها الرئيس التركي مع نظيره الروسي قبل شهر من “كارثة” إسقاط الطائرة الروسية، في لحظة نزق “شعبوية” وخطأ فادح في الحسابات.

 

السيد يلدريم رئيس وزراء تركيا رجل “حكيم” يريد أن يتبع سياسات “براغماتية” تساعد في إخراج بلاده من أزماتها، ولكن يبدو، ومثلما لمسنا من تراجعاته، أن رئيسه لا يريده أن يمضي قدما في هذه السياسات، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة، رغم أنه لا يملك الصلاحيات الدستورية التي تؤهله لذلك، وربما هذه التدخلات هي التي دفعت الدكتور أحمد داوود أوغلو إلى الاستقالة من منصبه، والعودة إلى التدريس في الجامعة احتراما لنفسه.

 

ولعل أبرز وجوه هذه السياسة البراغماتية تصريحاته التي أدلى بها اليوم تجاه مصر عندما قال “دعونا ننحي موضوع عزل الرئيس محمد مرسي جانبا، لأن الحياة مستمرة، ونحن نعيش في المنطقة نفسها وبحاجة إلى أنفسنا، ولا مانع من تطوير علاقات اقتصادية مع مصر وعقد لقاءات مع مسؤولي البلدين، وهي رسالة “تصالحية” ناقصة أعطت نتائج عكسية فورية، لأن السيد يلدريم دس فيها فقرة (ربما أجبر على دسها) أفسدت مضمونها، وضربت على وجع مصري وعصب حساس، ونقصد بها قوله “مع استمرار الموقف التركي الرافض للانقلاب على الرئيس مرسي، أول رئيس مصري منتخب في التاريخ”.

 

الخارجية المصرية ردت على هذه المبادرة باشتراط إزالة هذه الفقرة، والاعتراف بـ”شرعية” إرادة الشعب المصري ممثلة في ثورة 30 يونيو، وما نجم عنها من تولي مؤسسات شرعية مسؤولية إدارة البلاد”، وهكذا انطبق عليها المثل “جاء يكحلها عماها”.

***

 

ندرك جيدا صعوبة نزول الرئيس التركي من فوق شجرة الكبرياء الشاهقة التي صعد إليها في السنوات الخمس الماضية، واعتقد مخطئا أنه بات على وشك تحقيق أحلامه في إحياء الإمبراطورية العثمانية، ولكن كان يجب عليه أن يفرق بين الكبرياء الشخصي، والمصلحة العليا لأكثر من ثمانين مليون تركي باتوا يعانون من ارتفاع معدلات البطالة والإرهاب، وانخفاض مستوى المعيشة، وتراجع معدلات التنمية، وانهيار عملتهم الرسمية، وتكاثر معسكر الأعداء في محيطهم، ووقوف دولتهم على حافة التفكيك والحرب الأهلية، بشقيها الطائفي والعرقي.

 

الاعتذار يجب أن يكون كاملا وواضحا، وكذلك التعويض، ولا مجال للعبارات “المغمغمة”، إذا أرادت تركيا أردوغان أن تزيد من عدد الأصدقاء وتقلص الأعداء، فإذا عزّمت فتوكل على الله جل وعلا ولا مكان للتردد والترقيع.

 

نختم بالقول إن هذا “الاعتذار” لروسيا لو جاء مبكرا وسريعا، لما اضطر الرئيس أردوغان إلى هذا التطبيع المهين والمكلف جدا له مع إسرائيل، والرضوخ لـ”ابتزاز″ نتنياهو، ولكن ماذا نقول لأناس ضلت بوصلتهم وأساءوا التقدير، وهذا موضوع آخر.

 

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/06/29

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد